سيد محمد طنطاوي

27

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ) * نحن ، يقال : مهدت الفراش ، إذا بسطته ووطأته وحسنته . وفي هاتين الآيتين ما فيهما من الدلالة على قدرة اللَّه - تعالى - ورحمته بعباده ، حيث أوجد هذه السماء الواسعة التي تعتبر الأرض بما فيها كحلقة في فلاة بالنسبة لها ، فهي تحوى مئات الملايين من النجوم المتناثرة في أرجائها . . وأوجد - سبحانه - الأرض لتكون موطنا للإنسان ، ومنزلا لراحته . ثم قال - تعالى - : * ( ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ) * أي : نوعين متقابلين كالذكر والأنثى . والليل والنهار ، والسماء والأرض ، والغنى والفقر ، والهدى والضلال . * ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * أي فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون وتتعظون وتتذكرون ما يجب عليكم نحونا من الشكر والطاعة وإخلاص العبادة لنا وحدنا . والفاء في قوله : * ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّه . . . ) * للتفريع على قوله - تعالى - * ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * ، أي : ما دام الأمر كما ذكرت لكم من وجود التذكر والاعتبار ، ففروا إلى اللَّه من معصيته إلى طاعته ، ومن كفره إلى شكره ، ومن السيئات إلى الحسنات . قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي هذا التعبير لطائف لأنه ينيء عن سرعة الإهلاك ، كأنه يقول : الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب ، من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع . فافزعوا سريعا إلى اللَّه - تعالى - وفروا إلى طاعته ، فإنه لا مهرب منه « 1 » . وقوله : * ( إِنِّي لَكُمْ مِنْه نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * تعليل للأمر بالفرار ، أي : أسرعوا إلى طاعة اللَّه - تعالى - إني لكم من عقابه المعد لمن يصر على معصيته نذير بيّن الإنذار . ثم أكد - سبحانه - هذا الإنذار ، ونهى عن التقاعس فقال : * ( ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ ) * أي : واحذروا أن تجعلوا مع اللَّه - تعالى - إلها آخر ، في العبادة أو الطاعة * ( إِنِّي لَكُمْ مِنْه ) * - سبحانه - * ( نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * . فالآية الأولى كان التعليل فيها للأمر بالفرار إلى اللَّه - تعالى - والثانية كان التعليل فيها للنهي عن الإشراك به - سبحانه - . وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد بينت جانبا من الدلائل على قدرة اللَّه - تعالى - وأمرت الناس بإخلاص العبادة للَّه ، ونهت عن الإشراك به . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان مواقف الأقوام من رسلهم ، وببيان الوظيفة التي أوجد اللَّه - تعالى - الناس من أجلها فقال :

--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 655 .